أخبار وطنية جريدة الشعب تتهم وزير الشؤون الاجتماعية بإمضاء اتفاقية جهنمية لتغيير نمط المجتمع التونسي
نشرت صحيفة الشعب في عددها الصادر اليوم الخميس 18 اوت، مقالا بإمضاء الزميل الصحفي يوسف الوسلاتي اتهمت فيه وزير الشؤون الاجتماعية محمود بن رمضان بإمضاء اتفاقية تم توصيفها بـ"الجهنمية" حسب ما ورد في نص المقال..
ووفق الشعب فإن هذه الاتفاقية التي أمضى عليها وزير الشؤون الاجتماعية بناء على طلب وزير الشؤون الدينية محمد خليل من شأنها تغيير نمط المجتمع التونسي ورعاية الإرهاب بدعوى محاربته والقضاء عليه، حيث واستنادا على هذه الاتفاقية سوف يتم تعميم مجموعة من الوعاظ في كل مركز اجتماعي يعنى بالأشخاص ذوو الحاجيات الخصوصية وذلك قصد نشر التعاليم الدينية فيما بينهم!
وحذّرت جريدة الشعب من مغبة الوقوع في فخ هذه الاتفاقية الخطيرة التي تم امضاؤها بتاريخ 19 جوان 2016.. التفاصيل تجدونها في نص المقال المذكور كاملا:
بعد ان فتحت وزارة العدل في حكومة الترويكا السجون امام الوعاظ والايمة المعروفين بتطرفهم الديني في اطار اسلمة المجتمع والنتيجة كما يعلم الجميع المزيد من حشد الشباب الفكر المتطرف ها ان وزارة اخرى في حكومة النداء تعيد انتاج ذات التجربة بفتح المراكز الاجتماعية أمام الدعاة بعنوان نشر القيم الحميدة، وزير الشؤون الاجتماعية وقبل ايام قليلة من مغادرته المحتملة لوزارة الشؤون الاجتماعية ينخرط في مشروع ظاهره تنفيذ للبرنامج الوطني لمكافحة الارهاب وباطنه الانخراط في مشروع تغيير نمط المجتمع التونسي حيث تم فتح مراكز الشؤون الاجتماعية أمام الوعاظ والأئمة والأساتذة المختصين وذلك بموجب اتفاقية ممضاة بين وزارة الشؤون الاجتماعية من جهة ووزارة الشؤون االدينية من جهة أخرى وقد تم الإمضاء بتاريخ 19 جوان 2016.
وزارة الشؤون الاجتماعية وبعد فشل مقارباتها في معالجة الفقر والخصاصة ادخلت هذه الفئات الهشة في أتون الاستقطاب الايديولوجي باسم الدين دون التفكير في عواقب وتداعيات ذلك.
أزمة اقتصادية أم أزمة أخلاقية؟
تؤكد كل الدراسات المتعلقة باسباب انتشار ظاهرة الارهاب ان الاسباب الاقتصادية والاجتماعية هي التي تقف في المقام الاول وراء تفشي الظاهرة واذا ما كانت الثورة وسائر الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها بلادنا لاحقا تحوم حول الاحتجاج على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية فان هذه الاتفاقية تقفز على هذا الواقع لتصل الى استنتاج آخر غريب مفاده ان ازمة المجتمع هي ازمة اخلاقية بالاساس إذ يكفي ان يلقي الوعاظ دروسا في مراكز الشؤون الاجتماعية ليقع حل مشاكل الهجرة والانقطاع المدرسي والامية. والحقيقة ان هذا التشخيص يتناسب مع فكر وزير الشؤون الدينية وينسجم مع سائر قراراته الداعمة لتغيير نمط المجتمع التونسي وضرب طابعه الحداثي وتكفي هنا الاشارة الى مشاكله مع الايمة الزيتونيين المتنورين ولكنه تشخيص يفترض انه لا يتناسب مع فكر السيد وزير الشؤون الاجتماعية الذي لم يوفق اطلاقا في الامضاء على هذه الاتفاقية وذلك من خلال تقديمه حلولا اخلاقية لازمة اجتماعية بالاساس.
اتفاقية ضد الدستور
تطرح هذه الاتفاقية اشكاليات قانونية وأخلاقية وهي تهديد مباشر لمدنية الدولة ولمبدإ حياد المرفق الاداري كما انها تقيم الدليل على فشل وزارة الشؤون الاجتماعية في مادة الادماج الاجتماعي وفي وضع برامج حقيقية قادرة على النهوض بالفئات الاجتماعية التي تعاني من الفقر والأمية والادمان على المخدرات والذهاب إلى محرقة الهجرة والانتحار والطلاق والانقطاع المدرسي. ومن دواعي الدهشة أن ديباجة الاتفاقية المذكورة تتعامل مع المجتمع كأنه لم يشهد ثورة أو ينجز دستورا وكأن كل تطلعات الشعب نحو العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة والحرية والكرامة تمّ انجازها وبقي نشر الوعي الديني والمعرفة الشرعية وهي مصطلحات خطيرة تنذر بمشروع لأخونة المجتمع وتستهدف الفئات الأكثر عرضة لغسل الدماغ.
معالجة الفقر بالرقية الشرعية
وتتمادى الاتفاقية في فصلها الأول في التأكيد على ان الهدف من الاتفاقية هو تقديم دروس دينية بصفة متواصلة ودورية بمراكز الدفاع الاجتماعي ومراكز تعليم الكبار ومراكز الرعاية الاجتماعية في مجال العقيدة والفقه المالكي وكأن المجتمع يعيش صراعا مذهبيا وأن الصراع المذهبي هو أولوية السياسة الاجتماعية وأن تدني سلوك الفئات الاجتماعية هو بسبب عدم المامهم بالعقيدة وبالهدي النبوي وهو ما يضعنا أمام حيرة هل نحن امام وزارات تنفذ سياسة حكومة أم برامج أحزاب لها برامج تهدف من خلالها الى تغيير نمط المجتمع، والحقيقة انه لم يبق في هذه الاتفاقية سوى ان تنصّ في بعض فصولها على دور الرقية الشرعية في الشفاء من الامراض الاجتماعية.
وزارة لم تضبط مساجدها فتكفلت بضبط المؤسسات الاجتماعية
يفتح الفصل 2 من الاتفاقية المجال لزيارات ميدانية إلى المراكز المذكورة للاطلاع على آرائهم في الدروس المذكورة وتنظيم حلقات تحسيسية وهكذا فان التعليم الديني الذي فشل في الدخول من بوابة التعليم عاود الدخول من شباك وزارة الشؤون الاجتماعية في مجال تعليم الكبار في الوقت الذي ندرك فيه جميعا ان وزارة الشؤون الدينية لم تنجح في السيطرة على المساجد وسمحت عمدا او قسرا باستعمال منابر المساجد للدعاية السياسية والتحليل والتحريم والتكفير فكيف ستقنعنا هذه الوزارة بانها قادرة على تامين دروس دينية معتدلة.
ان خطورة هذه الاتفاقية تكمن في انها فتحت مرفقا عموميا امام احزاب سياسية بعينها لاستغلال هذا الفضاء للحساب السياسي الخاص وكلنا نعلم كيف تتحول الخطب الدينية الى دعوات للتصويت الى من يخافون الله. ثم ان مئات من هؤلاء الايمة والوعاظ هم الذين كانوا وراء محنة هجرة الشباب الى سوريا والسيد وزير الشؤون الاجتماعية يعلم ذلك وعموما يمكن القول ان وزارة الشؤون الاجتماعية تركت جانبا كل نظريات واستراتيجيات مقاومة الفقر والبطالة والانقطاع المدرسي، واستعاضت عنها بمعالجة آلام الناس وفقرهم بعلم الاجتماع المفصل على مقاس المتشددين دينيا.
الوزارة ترسل أيمة بدل المختصين النفسيين
طبعا لا يمكن الحديث كثيرا عن الفصل الثالث من الاتفاقية الذي تتعهد بموجبه وزارة الشؤون الاجتماعية بتوفير وسائل النقل للوعاظ والأئمة وذلك بالتنسيق المسبق مع المديرين الجهويين للشؤون الدينية، وما دام الهدف هو الاستفادة من القدرات الخارقة لهؤلاء فإن مصاريف النقل هذه لا تدخل في باب اهدار المال العام ولكن لنتوقف عند الفصل الرابع من الاتفاقية الذي يرتقي الى مستوى الجريمة في التعامل مع المعوقين ومع الاطفال فهذا الفصل يسمح للوعاظ والأئمة باستهداف اسر الفئات الاجتماعية الهشة بمعدل حصة في الأسبوع إلى جانب رواد المراكز الاجتماعية والمقيمين بها من المعوقين والأطفال. ولسائل ان يسأل اي خبرة ومؤهلات يملكها هؤلاء في التعاطي مع الاطفال والمعوقين واي دراية ودربة وعلوم تلقاها هؤلاء في الاحاطة بعائلتهم.
انه منتهى الغرابة ذاك الذي استقر عليه راي وزير الشؤون الاجتماعية. على ضوء هذه المخاطر يمكن وضع النقاط على الحروف اكثر من خلال القول أن وزير الشؤون الاجتماعية اقترف خطأ فادحا وخرق الدستور وكل المبادئ التي جاء بها في ضمان حرية المعتقد فهل يعقل ان الدستور يدعو لتحييد المساجد ووزير الشؤون الاجتماعية يضع مراكزه والفئات التي تتعهد بها اداراته في محرقة الاستقطاب الايديولوجي باسم نشر القيم الدينية دون التفكير في المخاطر المبطنة لمثل هذه الاتفاقية ودون تقييم للتجارب في هذا المجال وخاصة توظيف الدين في التعامل مع هذه الفئات الهشة والأميين وهم الأكثر عرضة للازمات.
وعليه يصبح إلغاء هذه الاتفاقية أمرا ضروريا حماية للمرفق الاداري وضمانا لمدنية الدولة ووقاية للفئات الهشة من مخاطر الاستقطاب خاصة ان هذه الاتفاقية لم تحدد معايير لآليات لمراقبة الوعاظ والأئمة. وعلى وزارة الشؤون الاجتماعية ان تقدم توضيحات للرأي العام حول أسباب هذه الاتفاقية الفضيحة وأهدافها وتسخر جهدها لوضع برامج تتماشى وتعقيدات الواقع الاجتماعي وحالة العجز التي أصبحت تتحكم في مصير شرائح واسعة من المجتمع في تأمين لقمة العيش والسكن اللائق والحق في حياة كريمة ونحن نتساءل أين الخطة الوطنية للدفاع الاجتماعي وما هو دور مسؤولي الوزارة ومفكريها في التصدي لظاهرة التسول والانتحار والهجرة السرية والتشرد وعمل الأطفال وقضايا العنف وانتهاك حقوق العمل في القطاع الهش وغول الانقطاع المدرسي وانسياق الشباب في شبكات الارهاب داخل البلاد وخارجها، ألم يكن حريا بوزارة الشؤون الاجتماعية ان تقدم الدراسات العلمية وتقدم الاحصائيات والتجارب وتدرب منظوريها على أفضل السياسات للإدماج أما عن التثقيف الديني فالمجتمع دينه الاسلام والدولة ضامنة لذلك ولحرية المعتقد والتسامح ومحيطنا الاقليمي يؤكد أن آلاف الشباب التونسي ذهبوا ضحايا هذه النوعية من الدمغجة والمتاجرة بالدين فانخرطوا في الارهاب الأعمى ويمارسون القتل وترويع العائلات والأبرياء باسم الدين والمعرفة الشرعية التي يبشّر بها وزير الشؤون الاجتماعية للفئات الهشة.